Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

لماذا التجمع الديمقراطي

مع بداية التحول الديمقراطي عام 89 ظهرت صيغة لقاء "التجمع الديمقراطي القومي العربي " جمعت مختلف القوى القومية واليسارية ، ومع أنها كانت صيغة مهلهله فقد شكلت مرجعية لكل الوسط التقدمي واستفادت من أجواء النهوض العام وأزمة الخليج التي شهدت تحركات جماهيرية واسعة . لكن التجمع لم يرتق أبدا إلى صيغة تجمع برنامجي منظم يمتلك رؤية مشتركة في الشأن المحلي السياسي والاجتماعي ، بل بقي لقاء أمناء عامين وفعاليات دون أجنده حقيقية .

وقد انهار التجمع في أول امتحان وهو الانتخابات النيابية عام 93 ، التي جرت في ظل نظام الصوت الواحد حيث انكشف العجز عن التنسيق والتقدم بصورة مشتركة للانتخابات .

لقد تعمقت ازمة الأحزاب التي مثلت هذا التيار وكانت جزءا من حالة التراجع والانحسار العام فيما طرح انهيار المعسكر الشرقي والأنظمة الاشتراكية والتدهور التام لتجربة الأنظمة القومية العربية أسئلة جوهرية حول المرجعيات التي تدين بها هذه القوى !

هذه التطورات انعكست على شكل أزمات عميقة في التنظيمات وظهرت اتجاهات إصلاحية تدعو للمراجعة ، وقد اتسعت حالة الاستنكاف أو الانسحاب من التنظيمات إضافة إلى الانشقاقات بسبب عجز البنى القائمة المرتبطة بمرجعيات مسبقة عن استيعاب التنوع او القدرة على استيعاب الدروس وتحقيق التحول المطلوب .

وما بين عام 93 وعام 95 جرت حوارات متعددة أسفرت عن تصور لبناء مشروع التيار الديمقراطي الموحد من تنظيمات وعناصر قررت مغادرة المرجعيات القديمة و أسفرت عن نجاح في الاندماج في إطار " الحزب الديمقراطي الوحدوي " الذي عانى بدورة من خلافات حول تطبيق الرؤية الجديدة على الواقع في مناسبات مختلفة مثل المشاركة في الحكومة وبعض القضايا السياسية ونتج عن ذلك انسحابات وفي المؤتمر التالي اتخذ الحزب اســم  "حزب اليسار الديمقراطي" وهكذا بقيت قضية وحده التيار الديمقراطي مفتوحة . وقد جرت محاولات أخـرى مختلفة استنـدت إلى المظلـة التي يمكن أن توفـرها بعض الشخـصيات ( روؤساء وزارات سابقين ) ولم تنته إلى نتيجة .

وفي الواقع أن أزمة العمل الحزبي وضمور المشاركة السياسية والتشرذم لم تكن تخص التيار الديمقراطي وحده بل كل العمل السياسي والحزبي . فقد ظهرت الكثير من الأحزاب ذات الطابع الشخصي فيما يطلق عليه التيار الوسطي وجرت محاولات حثيثة للتوحد وحصلت خلافات وانشقا قات ومازالت هذه القضية على جدول أعمال هذا التيار . واستمر التيار الإسلامي وحده يتمتع بمرجعية واحدة قويه موروثة ممثلة بحركة الأخوان المسلمين وامتدادها حزب جبهة العمل الإسلامي . وقد وجدت الأحزاب القومية واليسارية التقليدية في الائتلاف مع هذا الحزب ملاذا يخفي أزمتها ويتشكل بديلا عن المهمة الحقيقية في وحده التيار التقدمي على قاعدة ديمقراطية تعيد لهذا التيار دورة الطبيعي والمستقل في المجتمع . وقد وفرت معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية وقضية مقاومة التطبيع أساسا للقاء الذي تكرس منذ النصف الثاني من التسعينات تحت صيغة لجنة تنسيق أحزاب المعارضة وغالبا ما اقتصر على الإعلانات السياسية بشأن القضايا السياسية ، أما في العمل الجماهيري فقد حافظ التيار الإسلامي على الظهور منفردا ومهيمنا ، وفي النقابات المهنية لا يأخذ التيار الإسلامي بالاعتبار حلفاءه في الائتلاف باستثناء ما يضطر له أحيانا وتكون مشاركة الأحزاب الأخرى من موقع الالتحاق والذيلية في قوائم يهيمن عليها التيار الإسلامي .

أن الأفول التاريخي والنهائي للمرجعيات التقليدية الايدلوجية والسلطوية لهذا الأحزاب تلقى على كاهل الديمقراطيين والتقدميين مهمة أعاده بناء الإطار التنظيمي الذي يحمل قيم ومبادئ الديمقراطية والعلمانية والتقدم والعدالة الاجتماعية .

من الواضح ان هذه المهمة لا تتم بمعزل عن النضال من اجل الإصلاح والتنمية السياسية ، ذلك أن مستوى الديمقراطية في البلاد حتى الان و إدارة شؤون الحكم والنظام الانتخابي وقانون الأحزاب يكرس تهميش العمل السياسي والحزبي ولا يعطي معنى له فالحكومة لا تعبر عن أغلبية ناشئة من صناديق الاقتراع والوجود النيابي يمثل وسيطا لتلبية مطالب مناطقية وخدماتية . وإذا كان هذا الوضع قد حال دون مأسسة وتطوير المشاركة الحزبية والسياسية فهو أيضا قد أوصل جهود التحديث الاقتصادي والاداري إلى مأزق . فالبنى والأساليب التقليدية أصبحت عائقا يفشل جهود التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

أن إطلاق مشروع التنمية السياسية بعث الآمال مجددا وحرك الاستعداد للمشاركة السياسية والحزبية ، ومهما كان التردد في إطلاق هذا المشروع فان مطالب الإصلاح السياسي باتت واضحة ومفهومة للأغلبية وهي المستقبل الوحيد المأمول وان بناء إطار موحد للتيار الديمقراطي يتوافق و يتضافر مع جهود دفع مشروع التنمية السياسية إلى الأمام و بوتيرة تسمح بالتقدم للانتخابات النيابية القادمة وقد قطعت مأسسة الحياة السياسية شوطا واضحا وان وجود التجمع الديمقراطي سيكون ركيزة هامة ويجب أن يكون جاهزا للتقدم للانتخابات القادمة بصورة ناجحة وقبل ذلك أن يكون قد ساهم في بلورة نظام انتخابي يعطي المعنى والجدوى لوجود قوائم انتخابية وطنية .

موقع التجمع في الساحة السياسية

 

حتى ألان لا تمثل الأحزاب المساحة المفترضة في تمثيل المجتمع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ( باستثناء جبهة العمل الإسلامي) ، والتجمع يطمح لتمثيل مساحة مهمة تذهب من الوسط إلى اليسار ، فهو يجمع من الخبرات السياسية والفعاليات كما يحوز على رؤية وثقافة سياسية والتزاما يؤهله ليلعب دورا رياديا في مشروع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل  انه  المشروع الذي يمكن أن يجمع افضل واكبر عدد من الكوادر والفعاليات بهذه الامكانيات المميزة .

 وكثيرا  ما يطرح السؤال حول هويه المشروع وأيدلوجيته وهذا السؤال يرتبط بالإرث التقليدي للأحزاب الماركسية أو القومية أو الإسلامية لكن هذه ليست قضية الحزب الجديد في حقبة تراجع مفهوم الحزب الأيدلوجي والذي قاد ويقود إلى منهج شمولي أحادي المرجعية ويترجم نفسه بنظام لا ديمقراطي . فالحزب برامجي ولكن أيضا له لون ويستند إلى ثقافة ومفاهيم ديمقراطية وليبرالية تقدمية . حزب يمكن أن يتعايش فيه أناس من أصول ثقافية متفاوتة ولكنهم يلتقون على رؤية برنامجيه مشتركة .

وإذا كان التدين هو السمة الغالبة لشعبنا فان الحزب يجب أن يكون قادرا على استيعاب هذه السمة التي لا تتناقض مع علمانية البرنامج السياسي . أن توجه الحزب هو توجه وطني ديمقراطي يأخذ بالاعتبار العمق القومي والإسلامي لبلدنا لكن لا يقدم أي منهما على الاعتبارات الوطنية وقد أثبتت التجربة أن اليافطة الأيدلوجية غالبا ما تصل إلى تناقض مع الحسابات الوطنية ويتم حل هذا التناقض بالإنشاء التضليلي ،

و في كل الأحوال فان صياغة برنامج سياسي محكم وبأي قدر من وضوح الخط السياسي لن يمنع ظهور تباينات وخلافات في أي موضوع وأيه محطة يواجهها التجمع وقد أثبتت التجربة أن هذا التباين كثيرا ما ارتبط بمصالح أو صراع أدوار ومواقع وطموحات مما يعني أن الاتفاق على البرنامج ليست ضمانة كافية بل الأهم السهر على تطوير صيغة مرنة تتيح التعايش واستيعاب التباينات والخلافات والحفاظ على الوحدة في ظل التعدد ، تعدد الرؤى والمواقف وتعدد المصالح أيضا ، ومع الجهد الضروري لإبداع التسويات يجب في نهاية المطاف إرساء تقليد راسخ في قبول الديمقراطية والتصويت كحل أخير يجب أن يرضخ له الجميع .

لقد ثبت بالملموس أن قبول الديمقراطية والاستسلام لنتائجها هو الجانب الأصعب وقد أثبتت التجربة أن الثقافة السائدة ما زالت عصية على التطويع الديمقراطي مما يعني أن هذا الجانب يجب أن يحتل جزءا كبيرا من الاهتمام في العملية البنائية للتجمع  .

الوحدة والامتداد والفعالية

 

إذا كان هناك مساحة واسعة يستطيع أن يحتلها التجمع لتمثيل التوجه الوطني الديمقراطي التقدمي فالتحدي هو كيف يمكن للتجمع أن يحقق هذا التمثيل على الأرض .

هذه مسألة سهلة لا تحلّها الرغبة فقط بل هي جزء من مشروع مأسسة الحياة السياسية وتطوير الديمقراطية وتحتاج إلى جهد ومثابرة واخذ الخيارات الصحيحة في صيغ العمل وبناء العلاقات . وان الفعاليات المبادرة للمشروع يجب أن تتمتع بكثير من المرونة وسعة الأفق والتضحية لتكوين الشبكة الأساسية والمثابرة في الاتصال مع أوساط جديدة وتوفير آلية سهلة وسلسة للتواصل دون افتراض زعامات منصبّة سلفا .

ويجب عدم الاستعجال في تحديد مراتبية تنظيمية ولفترة من الوقت يجب الاكتفاء بلجان تنسيق واتصال في مختلف المواقع مع المركز والحرص على الاستفادة من لجان أو تجمعات قائمة يمكن أن تكون كما هي امتدادا للتجمع ، ويمكن بناء وحدات للتجمع في النقابات المهنية والعمالية والطلابية والنسائية ... الخ ، لكن الأساس هو الانتخابات البرلمانية فهذا هو الامتحان الحاسم لبروز التجمع كقوة سياسية تمثيلية . ولذلك يمكن ربط الهيكل التنظيمي بتوزيع الدوائر الانتخابية أساسا إضافة إلى وجود لجان وروابط وظيفية تتصل بمجالات العمل أو الاهتمامات .

أن الهيكل والآليات التنظيمية يجب أن لا تهتم بالجوانب الشكلية بل بالفعاليات والإنجاز . وان النجاح في تقديم التجمع بصيغة مرنة وعصرية وفعالة سيكون عامل جذب لشخصيات كثيرة ومن مستويات مختلفة . يجب التمكن من قبول التعدد والاختلاف والحفاظ على الوحدة والولاء للمشروع الموحد ، ويجب أن يقدم التجمع نموذجا مختلفا من النزاهة والنظافة والولاء لمصلحة الفئات الشعبية ، وان يمارس الواقعية والعقلانية في الرأي السياسي وتقديم الحلول والبدائل مع الحزم إزاء مظاهر الفساد أو غياب الشفافية أو التجاوز على الديمقراطية والحريات العامة.

 أن واقع الساحة الوطنية يؤكد على أن التجمع بات ضرورة وان هناك دورا كبيرا ينتظره . وان كل الاتصالات التي جرت أكدت القناعة الواسعة بذلك ، والمهمة ألان هي إرساء الأسس الصحيحة لتمكين المشروع  ليكون بمستوى الطموح للمرحلة القادمة .

جميل النمري

الشيخاني لتصميم المواقع