Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

المنطلقات الاقتصادية والاجتماعية للتجمع

           شهد النظام الرأسمالي منذ نشوئه  تقلبات سياسية واقتصادية وأزمات عميقة ،  تجلت مظاهرها  بارتفاع معدلات البطالة والتضخم والركود الاقتصادي ،  كما شهد فترات من الانتعاش والازدهار ،   وكان ابرز هذه الأزمات ما شهده النظام الاقتصادي الرأسمالي في بداية القرن الماضي  خلال أعوام 1929 – 1933حيث كادت هذه الأزمات ان تعصف به  في معظم الدول الصناعية ، خاصة وان هذه الأزمات انفجرت في ظل وجود نظام سياسي اقتصادي  جديد يقف على الطرف الآخر من أوروبا الاتحاد السوفيتي .

        أدخلت النظرية الكنزيه النظام الرأسمالي في مرحله جديده وهامة في تاريخه فالتسوية التاريخية بين العمل ورأس المال في تلك الحقبة  تعكس مدى قدرة النظام الرأسمالي على التكيف ،  فقد حققت إصلاحات جوهرية في النظام الرأسمالي، دون المساس في جوهره ، وعمقت البعد الاجتماعي ، وخففت من الاحتقانات الطبقية ، وشكلت حالة توازن نسبي في المجتمع ،   مستفيدة من سيطرة البلدان الرأسمالية على معظم بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، و نهب خيراتها والحصول على النفط والمواد الخام بأسعار زهيدة ، ومستغلة أسواق هذه البلدان لتصريف فائض إنتاجها الأمر الذي  اسهم في امتصاص الأزمات الاقتصادية ، ووفر ربحية عالية وإمكانيات ضخمة سهلت على الاحتكارات الرأسمالية إمكانية الوصول إلى صيغ واتفاقيات مع النقابات العمالية،   لزيادة أجور العمال وتحقيق خدمات صحية واجتماعية ، مما خفف من حدة الصراع الطبقي ، الذي برز بصورة  جلية  في بداية القرن الماضي .

   كما ان بروز الشركات العملاقة متعدية الجنسيات في مرحله لاحقه والتي وضعت مشاريعها واستثماراتها بمعزل عن الدولة الوطنية ، وما رافق ذلك من تطور في التكنولوجيا وخاصة في مجال ثوره الاتصالات ، ونقل بعض الصناعات الى خارج المراكز الرأسمالية ، وفر إمكانيات جديده للرأسمالية لتجديد نفسها وتطوير قدراتها ، وقد وصلت الرأسمالية مرحلة إتقان فن إدارة الأزمات ،  فلم يعد مهما لدى الدول الرأسمالية حل الأزمات ، بل إدارتها ، فليس مهما على سبيل المثال  تجنيب البلدان النامية الوقوع في فخ المديونية او إخراجها منها ، بقدر ما هو مهم تسديد خدمات المديونية ، وإخضاع البلدان النامية لتبعية المراكز الرأسمالية  وفرض شروطها عليها ،  لقد مهدت المنجزات العلمية والتكنولوجية الضخمة التي تحققت لبروز نظام عملاق  يتمتع بخصائص غنية جدا ، شكلت الأساس المادي لما نشاهده في هذه الأيام من إنجازات في المراكز الرأسمالية ، مقابل اخفاقات في البلدان النامية ، ومن تركيز للثروة في شركات متعددة الجنسيات ، الى فقر وإملاق وبطالة ، ومن نظم ديمقراطية تتمتع بشفافية عالية مع شعوبها ، إلى ديكتاتوريات ما زالت مسكونة  بالماضي  .بحيث شكلت هذه المتناقضات وجوها  مختلفة لنظام سياسي – اقتصادي هو الرأسمالية .

        ان غياب نظام عالمي متعدد القطبية ، وفر للولايات المتحدة الأمريكية الأوراق الرئيسة لشروط الهيمنة المبنية على الأسس الجديدة باسم العولمه ،خاصة بعد حسم الصراع حول التوجهات الاقتصادية لمعظم الدول التي كانت سائرة في الاتجاه الاشتراكي ،  وخلق  مناخا ملائما  للولايات المتحدة الأمريكية لفرض شروطها على الدول التي تجاذبها النظامان الرأسمالي والاشتراكي في أيام الحرب الباردة ، وانتصار الأيديولوجية اليمينية المحافظة النيوليبرالية ،  فسخرت الولايات المتحدة الأمريكية   كافة المؤسسات الدولية بدءا من مجلس الأمن  الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وانتهاء بمنظمة التجارة العالمية لفرض هيمنتها على  العالم ، وأصبح تأثيرها ملموسا على مختلف القرارات السياسية وشروطها نافذة في الجوانب الاقتصادية لمعظم دول العالم ، وقد استغلت هذه الظروف لشن عدوانها على العراق الشقيق ،   وتدمير بنيته التحتية  واحتلاله وإخضاعه لنظام كولونيا لي استعماري بهدف نهب ثرواته   ، كما تواصل دعمها ومساندتها للكيان الصهيوني  وآلته العسكرية ،ليفتك بالشعب الفلسطيني ،ويدمر القرى والمدن  والمؤسسات الوطنية  لمنع الشعب الفلسطيني من إقامة دولته الوطنية المستقلة ، ودعم وتأييد حكام إسرائيل  بتجاوز قرارات  الشرعية الدولية المتعلقة بحق العودة  والانسحاب من الأراضي المحتلة وتفكيك المستوطنات ،  كل ذلك يتم في ظل نظام عربي عاجز عن القيام بأي إجراء لمواجهة المعتدين ووقف عدوانهم ، ونظام عالمي صامت على الجرائم التي ترتكب  ، دون أي اعتبار للمواثيق الدولية وحقوق الإنسان التي تستخدم  زيفا وخداعا في كثير من الأحيان لتمرير سياسات محددة . 

      نحن في الوطن العربي من أكثر دول العالم عرضة لتأثر بهذه السياسات ، الأمر الذي يعني ان استحقاقات مواجهة المستجدات والتكيف بشكل إيجابي مع الوضع الدولي ،  والدخول في المؤسسات الدولية بشروط متكافئة ،  يتطلب عملا عربيا جادا  لتشكيل تكتل اقتصادي على المستوى القومي من أجل توفير شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية  وتحقيق الأمن القومي للوطن العربي  من ناحية ، ،واعادة صياغة علاقاتنا الدولية بما ينسجم مع المصالح الاقتصادية والسياسية من ناحية اخرى ،  سيما إذا تعرفنا على الحجم الحقيقي لإمكانيات الدول العربية وموقعها في الاقتصاد العالمي ، تزداد أهمية هذا التوجه ، فعلى الرغم من أن النفط  ، الذي يضخ في شريان غالبية مصانع العالم ،هو من إنتاج الوطن العربي ، ومع ذلك فان الناتج المحلي الإجمالي لكافة الدول العربية ، اقل من الناتج المحلي الإجمالي لدولة أوروبية واحدة مثل أسبانيا ، التي لا يتجاوز عدد سكانها 15% من سكان الوطن العربي ، مما يعكس مدى ضعف وعجز الاقتصاد العربي ، ومكانته الدولية .  

      ان المنعطفات الدولية التي شهدها العالم في نهاية القرن العشرين تقتضي إجراء مراجعات فكريه وسياسية واقتصادية ، وتوفير معادلات لتحقيق توازنات ضرورية ما بين استحقاقات النظام العالمي الجديد وشروط مؤسساته ، والحفاظ على الاستقلال الوطني ودفع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية السياسية الى الأمام ، وهذا يتطلب بداية توفير الديمقراطية  ومأسستها  وترسيخ وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق التعددية السياسية ،وعدم تعميم  سياسة الخصخصة كتوجيهات من المؤسسات الدولية دون مراعاة للمصالح الوطنية  .

    

إشكالية التنمية في البلدان النامية

بانتهاء الحرب العالمية الثانية  وبروز مجموعة البلدان المتحررة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، وفي عدادها البلدان العربية ،  طرح على أجنده هذه البلدان مسألة إنجاز المشروع التنموي الاقتصادي – الاجتماعي في المقام الأول .وقد أغفلت قضية الديمقراطية في معظم هذه البلدان ، وسادت أنظمة بوليسية حتى في دول تمسكت بمواقف وشعارات تقدمية ،  ومن أبرز المعضلات التي واجهت الدول المستقلة  ، كيفية تحقيق تنمية اقتصادية لترسيخ استقلالها الوطني ، فهي لا تمتلك المقومات والشروط الضرورية لإنجاز مشروع كهذا ، فالشروط التاريخية التي توفرت للنظام الرأسمالي منذ نشوئه وفي مراحل تطوره لم تتكرر ، فلم تتمكن معظم البلدان النامية وفي عدادها البلدان العربية ، من إنجاز مشروعها التنموي  ، صحيح إن بعض هذه الدول لا يملك الإرادة السياسية لتحقيق مشروع كهذا ولكن البعض الأخر لم ينجح في تحقيق ذلك على الرغم من وجود الإرادة السياسية ، وذلك بسبب الصعوبات الذاتية والعراقيل التي وضعت لمنع مشروع تنموي  يرى النور ، فالمراكز الرأسمالية لم تسمح بوجود صناعات منافسة  ، لابقاء هذه الدول فقيرة تابعه لا تستطيع استثمار ثرواتها ، ولكي تبقي على التقسيم الدولي للعمل بين البلدان الرأسمالية المتقدمة ،  والبلدان التي استقلت حديثا ، لإبقاء البلدان الرأسمالية متخصصة في إنتاج وتصدير المنتجات الأساسية ، والبلدان النامية في إنتاج الخامات لتزويد مصانع الدول المتقدمة ، ان العلاقة غير المتكافئة بين المجموعتين القائمة على تقسيم العمل مكن الدول الغنية من السيطرة على إنتاج خامات البلدان الفقيرة ، والتحكم بأسعارها ، مما افقد البلدان المستقلة سواء التي اختارت التوجه الرأسمالي أو التوجه الاشتراكي من القدرة على تحقيق برنامجها الوطني الاقتصادي وتطوير صناعتها وتحقيق تراكم رأسمالي ،فدخلت البلدان النامية في أزمة مبكرة . ان الظروف التاريخية التي نشأت بها البلدان النامية والتي حققت استقلالها السياسي في ظلها وطبيعة التكتلات الدولية التي مثلت  قطبي الصراع ، مهدت الطريق أمام عشرات الدول الحديثة الاستقلال وخاصة ذات التوجه القومي واليساري بإقامة علاقات وطيدة مع الاتحاد السوفيتي وباقي الدول الاشتراكية ، وشكلت جبهة عريضة في مواجهة البلدان الرأسمالية ، من أجل تعزيز استقلالها وتحرير ثرواتها وبناء اقتصادياتها . في ظل هذه المعطيات استجابت الدول الرأسمالية الى فكره حوار الشمال والجنوب الذي تبناه البنك الدولي باسم تقديم الدعم لدول الجنوب الفقيرة ، علما أن الدافع الرئيس لهذا التحرك هو تصدير رأس المال  ، سواء من خلال القروض أو الاستثمارات المباشرة،لإنعاش السوق الرأسمالي من جهة، وإغراق البلدان الفقيرة بالمديونية من جهة أخرى ،  بهدف تشديد تبعيتها للمركز الرأسمالي .مما افقدها القدرة على تحقيق التنمية ، ومع ذلك ليس من الدقة التعميم  فهناك تجارب مختلفة ، وكل تجربة  لها خصائصها ومزاياها الخاصة بها  .

 

الواقع الاقتصادي الاجتماعي وأفاق المستقبل

 

         واجه الأردن كغيره  من  البلدان العربية غير النفطية والدول الفقيرة عامة  في العالم  تحديات كبيرة بعد استقلالها تمثلت في شدة التخلف الاقتصادي  وحالات الفقر ، وانعدام وجود بنية تحتية ، ونمو قطاعات غير إنتاجية ، مثل التجارة والخدمات والإنشاءات ، وازداد الاعتماد على الخارج في تأمين الاحتياجات الأساسية والموارد الغذائية ، وقد عانى الاقتصاد الأردني من أزمات اقتصادية ناتجة عن اختلالات هيكلية وتشوهات في بنيته  ، قد تكون محدودية الموارد الطبيعية وشح الموارد المائية وانحسار رقعة الأرض الصالحة للزراعة من الأسباب الرئيسية التي تؤثر في ضعف الاقتصاد الوطني ، الا ان أسبابا لها علاقة بنشوء الاقتصاد الأردني ومراحل تطوره أسهمت في التشوهات الهيكلية التي يعاني منها حاليا ، فالإنتاج الزراعي لايمثل اكثر من 4% من الناتج المحلي الإجمالي والصناعات التحويلية والتعدين والمحاجر حوالي 18% ، مما يكشف بوضوح ضعف دور القطاعات المنتجة وهيمنة قطاع الخدمات في الاقتصاد الوطني ، ومن العلامات البارزة قيام الدولة  باستدراج القسم الأعظم من القوى العاملة للعمل لدى  مؤسساتها ، مما حول الدولة الى اكبر رب عمل وتضخم جهازها الإداري لدرجة ان كلفة رواتب العاملين في الدولة أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على الخزينة ، فقد بلغت رواتب العاملين بالدولة في القطاع المدني في أخر موازنة عامة 2005  تقديرية 486 مليون دينار  بالإضافة الى رواتب المتقاعدين والتي قدرت بحوالي 414 مليون دينار نفس المصدر وبقيمة إجمالية 900 مليون دينار رواتب عاملين ومتقاعدين ، أي ما نسبته 45% من الإيرادات المحلية ،  ولم يقتصر تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية في مجال التوظيف ، كما لم يكن هذا التدخل نابعا من رؤية فكرية أيديولوجية مرتبطة بتوجهات اشتراكية ، فالأردن بلد محافظ ونظامه الاقتصادي يسير نحو التوجه الرأسمالي ، ومع ذلك كان للدولة دور في النشاط الاقتصادي  لقد ساهم تدخل الدولة  في تشجيع بعض النشاطات التنموية الاقتصادية المهمة ، وإنشاء بنية تحتية ضرورية لتشجيع النشاط الاستثماري ، وان كان لهذا الدور كلفته المرتفعة بسبب ما رافق هذا النشاط من خلل ، سواء كان بسبب فساد إداري أو مالي ، أو سؤ إدارة وترهل ، أو عدم اختيار صائب للمواقع المسؤولة الأساسية لهذه الأنشطة ، وما أفرزته هذه المظاهر من مشاكل اقتصادية لبعض المشاريع من تعثر وخسارة متراكمة ، ومع ذلك ليست المشكلة في مساهمة الدولة في إقامة  مشاريع كهذه لأن بعض المشاريع الإستراتيجية والمتعلقة بالخدمات العامة للمجتمع لا تغري المستثمرين بسبب ربحيتها المحدودة او مردودها بعيد الأجل  ،  كما ان خصخصة هذه المشاريع ليست المخرج الوحيد ، فهناك عدة سبل للخروج من هذه الأزمات منها  تطهير هذه المؤسسات من الفساد المالي والإداري وتطويرها ، وتوفير آليات عمل متطورة تسمح في الرقابة عليها ، إلى غير ذلك من الإصلاحات الضرورية ومع ذلك لم تنطلق سياسة الخصخصة من فشل او نجاح هذه المشاريع بل من فلسفة يجر تعميمها على مختلف دول العالم  ، لكن المحصلة النهائية على أهمية المشاريع التي أنجزتها الدولة إلا إنها تعتبر متواضعة ولم تحقق تنمية اقتصادية وتراكما  ،  لقد فوتت الحكومات المتعاقبة فرصة تاريخية في تحقيق تنمية اقتصادية تسهم بإنشاء قاعدة مادية للاقتصاد الوطني من خلال المساعدات الضخمة التي حصلت عليها الخزينة من الدول العربية  في  فترة الحقبة البترولية والتي تقدر بحوالي (8.5) مليار دولار ، فقد استنفذت هذه الأموال دون الاستفادة منها في تطوير الاقتصاد الوطني ، وانفق الجزْ الأعظم منها في مجالات لا تحتل أولوية في بناء الاقتصاد  ، وطغى على الحياة العامة النمط الاستهلاكي ، عدا ما استنزف نتيجة الفساد المالي والإداري الذي استفحل في البلاد نتيجة غياب الشفافية وغياب الديمقراطية . وليس هذا فحسب فقد أغرقت البلاد بالمديونية ، واتسعت جيوب الفقر ، وازداد عدد العاطلين عن العمل ، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية ،  ان التمسك بمقولة ان الأردن محدود الإمكانيات والموارد دون الأقدام على خطوات ملموسة  وابقاء الاقتصاد الوطني تحت رحمة القروض والمنح الأجنبية أوصل اقتصادنا الى ما هو عليه الآن ، إننا نملك ثروات لا يمكن الاستهانة بها ، ولم يجري استغلالها كما ينبغي ، فعلى سبيل المثال  مادتي الفوسفات والبوتاس  ما زالت تباع  موادا خام وبأسعار زهيدة ، لعدم وجود صناعات متعددة عليها ، ويمكننا التعرف على المردود الهائل الذي  تحققه دول مجاورة من الصناعات المقامة على  هذه الخامات الغنية والفريدة من نوعها . ان المعيار الرئيسي في النمو الاقتصادي هو بتحقيق نمو في القطاعات الإنتاجية وانتاج الأصول على وجه الخصوص وكذلك إنتاج السلع الاستهلاكية التي يحتاجها مجتمعنا ، وهنا تكمن أهمية تطوير القوى العاملة التي تعتبر أهم عناصر التنمية الاقتصادية ، وذلك بإعدادها وتدريبها ورفع كفاءتها ونشر الثقافة الصناعية والتكنولوجية بين صفوفها ،  ان إعطاء التنمية بعدها الاجتماعي يمثل عنصرا هاما من عناصر نجاحها ، فالتنمية يجب ان تنعكس مظاهرها على المجتمع عامة وعلى القوى المنتجة خاصة سواء ما يتعلق بزيادة الأجور الفعلية أو التحسن الملموس في الخدمات الاجتماعية " تعليم وصحة وخدمات عامة " ، ويندرج في هذا المجال أيضا توفير مناخ ديمقراطي ملائم لنمو وتطور مؤسسات المجتمع المدني ، ومنها النقابات العمالية والمهنية للحفاظ على التوازن الاجتماعي من جهة ،  والإسهام بدور فاعل في التنمية الاقتصادية من جهة أخرى ، وهذا يتطلب تطوير التشريعات وتعميقها بما يسهم في تطوير الجهاز الإداري والتفاعل مع احتياجات التنمية ، وإزالة الذهنية العرفية التي مازالت متغلغلة في بعض المؤسسات والدوائر الرسمية أثناء مراجعة الجمهور لها  ، وتوفير الشفافية والعلنية بتوفير المعلومات المتعلقة بمختلف جوانب الحياة في المجتمع الأردني .

 

سياسة التصحيح الاقتصادي أثار  ونتائج

       جاء انفجار الأزمة الاقتصادية قبل حوالي خمسة عشر عاما نتيجة طبيعية للسياسات الاقتصادية الخاطئة التي مارستها الحكومات المتعاقبة " تعرضنا إلى بعض جوانبها " والتي أدت إلى إغراق البلاد بالمديونية ، واختفاء احتياط العملات الأجنبية  وانهيار سعر صرف الدينار إلى حوالي النصف ، وقد كان لهذه الأزمة أثارها المزدوجة على الفئات الاجتماعية المتوسطة والدنيا ، وذلك بانهيار القيمة الفعلية للدخول نتيجة انهيار سعر الدينار ، بالإضافة الى سلسلة من الإجراءات ، زيادة الضرائب غير المباشرة ، إطلاق آليات السوق ، زيادة الأسعار ، زيادة أسعار الفائدة ، خفض الأنفاق الحكومي على الخدمات ، ورفع كافة  أشكال الدعم عن  الإنتاج الوطني  وعن الصادرات ، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة ، وتحرير التجارة الخارجية والداخلية ، وإزالة الحواجز الجمركية لتسهيل انسياب السلع والبضائع ألا جنبيه ، وحفز وتشجيع القطاع الخاص ليتولى قيادة الاقتصاد ، وإلغاء كافة القيود على الاستثمارات ألا جنبيه ، وتقديم التسهيلات لها بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية  ، وتحرير أسواق المال ، وإلغاء الدعم الحكومي عن السلع التي تتمتع بدعم خاص ، وكذلك عن مختلف الخدمات العامة بما في ذلك الصحة والتعليم

          إن هذه السياسات ذات طبيعة انكماشية أدت إلى سؤ الأحوال المعيشية للغالبية العظمى من أبناء المجتمع وبشكل خاص ذوي الدخل المحدود ، مما زاد الفئات التي تعيش تحت خط الفقر ،  و أسهمت هذه السياسة في تعميق الأزمة الاقتصادية ، وزيادة معدلات البطالة ،ومع ذلك لم يحقق برنامج التصحيح الاقتصادي الذي طبقته الحكومة منذ عام 1990 أهدافه بل على العكس من ذلك ، فقد تحملنا الأعباء المعيشة المتعاظمة كنتيجة  لهذه السياسات ، والنتائج جاءت في غير مكانها ، لقد استهدف برنامج التصحيح الاقتصادي مجموعة من الأهداف كان من أبرزها تخفيض عجز الموازنة من 17.9%  من الناتج المحلي الإجمالي عام 1991  إلى 3.6 %  عام 1998 ، والنتيجة ان العجز ما زال يحافظ على مستوياته المرتفعة جدا فقد سجل عام 2004   عجز مقداره 17.2%  من الناتج المحلي ،  فالغالبية العظمى من أبناء المجتمع دفعت ثمنا  باهظا لهذه السياسة   ،  واللافت للانتباه إن الإيرادات الضريبية قد ارتفعت في نفس الفترة بمعدلات عالية جدا وصلت 340%  ،  فقد بلغت الإيرادات الضريبة عام 1991  401.5 مليون دينار وارتفعت  في مشروع قانون الموازنة لعام  2005  إلى  1368 مليون دينار ،  فقد استحدثت ضريبة المبيعات التي حققت دخلا قيمته 780 مليون دينار في عام 2004  إعادة تقدير ،   لقد اعتمدت الحكومات المتعاقبة سياسة الجباية لتخفيض العجز بدلا من ضبط النفقات وتخفيضها ، في حين رفع الدعم عن مختلف المواد الغذائية والضرورية ، بحجة توصيل الدعم لمستحقيه إلى أن اختفى الدعم بشكل نهائي ، ومع ذلك رغم زيادة الضرائب ورفع الدعم ، فقد فتحت شهية المسؤولين على زيادة الإنفاق بدلا من ضبطها ، أما تصويب الانحراف في الميزان التجاري الذي استهدفه البرنامج حيث كان يشكل 21% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1991 قد تبنى البرنامج تخفيضه إلى 2.6% عام1998 كانت النتيجة إن النسبة ارتفعت إلى 25.5%  عام 1998 ووصلت  عام 2003 إلى26.3% وكذلك الإيرادات المحلية فقد طرح برنامج التصحيح زيادة الإيرادات المحلية  للخزينة من 26.5% عام1991 إلى 30% عام 1998 من الناتج المحلي الإجمالي ، وكانت النتيجة إنها راوحت في مكانها ، ليس هذا فحسب فقد انخفضت في عام 2004 الإيرادات المحلية إلى 24% من الناتج المحلي الإجمالي ، وقد طرح البرنامج تخفيض المنح  الخارجية من 7.3% في عام 1991من الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.4% في عام 1998 ، وبدلا من الانخفاض ارتفعت إلى 8.8 % وفي عام 2004 وصلت إلى 10.3 % .

 " من باب التذكير دخلنا برنامج التصحيح الاقتصادي عام 1991 لتخفيض عجز الموازنة والاعتماد على الذات في التمويل  وتصويب الانحراف في الميزان التجاري ، وزيادة نسبة الإيرادات المحلية للناتج المحلي الإجمالي وتسديد أقساط المديونية بعد جدولتها …  وبعد خدمة خمسة عشر عاما في الصندوق نجد أنفسنا في المربع الأول في بعض الجوانب ، وفي جوانب أخرى الأزمة اكثر استفحالا مما كانت عليه في بداية البرنامج ، رغم آلام وإفقار غالبية أبناء المجتمع " أين برنامج التصحيح …؟ وأين سياسة الصندوق …؟